الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
403
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وجدير بالملاحظة أن هذه الآية تعبر عن خلق الإنسان بالإنشاء ، والكلمة لغويا تعني الإيجاد والإبداع مع التربية ، أي أن الله قد خلقكم وتعهد بتربيتكم ، ومن الواضح أن الخالق الذي يخلق شيئا ثم يهمله لا يكون قد أبدى قدرة فائقة ، ولكنه إذا استمر في العناية بمخلوقاته وحمايتها ، ولم يغفل عن تربيتها لحظة واحدة ، عندئذ يكون قد أظهر حقا عظمته وسعة رحمته . بهذه المناسبة ينبغي ألا نتوهم من قراءة هذه الآية ، أن أمنا الأولى حواء قد خلقت من آدم ( كما جاء في الفصل الثاني من سفر التكوين من التوراة ) ، ولكن آدم وحواء خلقا من تراب واحد ، وكلاهما من جنس واحد ونوع واحد ، لذلك قال : إنهما خلقا من نفس واحدة ، وقد بحثنا هذا الموضوع في بداية تفسير سورة النساء . ثم يقول : إن فريقا من البشر " مستقر " وفريقا آخر " مستودع " فمستقر ومستودع . " المستقر " أصله من " القر " ( بضم القاف ) بمعنى البرد ، ويقتضي السكون والتوقف عن الحركة ، فمعنى " مستقر " هو الثابت المكين . و " مستودع " من " ودع " بمعنى ترك ، كما تستعمل بمعنى غير المستقر ، والوديعة هي التي يجب أن تترك عند من أودعت عنده لتعود إلى صاحبها . يتضح من هذا الكلام أن الآية تعني أن الناس بعض " مستقر " أي ثابت ، وبعض " مستودع " أي غير ثابت ، أما المقصود من هذين التعبيرين ، فالكلام كثير بين المفسرين ، وبعض التفاسير تبدو أقرب إلى الآية كما أنها لا تتعارض فيما بينها . من هذه التفاسير القول بأن " مستقر " صفة الذين كمل خلقهم ودخلوا " مستقر الرحم " أم مستقر وجه الأرض ، و " المستودع " صفة الذين لم يكتمل خلقهم بعد وإنما هو ما يزالون نطفا في أصلاب آبائهم .